الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي
85
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
وقال بعض الفقهاء : العصر وسط ولكن ليس هي المذكورة في القرآن ، فههنا صلاتان وسطيان الصبح والعصر ، أحدهما ثبتت بالقرآن والأخرى بالسنة ، كما أن الحرم حرمان حرم مكة بالقرآن ، وحرم المدينة بالسنة . واختار جمع من العلماء أنها إحدى الصلوات الخمس لا بعينها فأبهمها اللّه تعالى تحريضا للعباد في المحافظة على أداء جميعها ، كما أخفى ليلة القدر في شهر رمضان وأخفى ساعة إجابة الدعوة في يوم الجمعة ، وأخفى اسمه الأعظم في جميع الأسماء ليحافظوا على جميعها ، وأخفى وقت الموت في الأوقات ليكون المكلف خائفا من الموت في كل الأوقات فيكون آتيا بالتوبة في كل الأوقات . وَقُومُوا لِلَّهِ في الصلاة قانِتِينَ ( 238 ) أي ذاكرين داعين مواظبين على خدمة اللّه تعالى فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً أي فإن خفتم من عدو وغيره فصلوا مشاة على أرجلكم بالإيماء في الركوع والسجود ، أو راكبين على الدواب حيثما توجهتم . والخوف الذي يفيد هذه الرخصة ، إما أن يكون في القتال أو في غير القتال . فالخوف في القتال : إما أن يكون في قتال واجب أو مباح فالقتال الواجب هو كالقتال مع الكفار وهو الأصل في صلاة الخوف ويلتحق به قتال أهل البغي . وكما إذا قصد الكافر نفسه فإنه يجب الدفع عنه لئلا يكون إخلالا بحق الإسلام . وقد جوّز الشافعي أداء الصلاة حال المسايفة . والقتال المباح : هو أن يدفع الإنسان عن نفسه وعن كل حيوان محترم فيجوز في ذلك هذه الصلاة ، أما إذا قصده إنسان بأخذ المال فالأصح أنه تجوز هذه الصلاة لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « من قتل دون ماله فهو شهيد » « 1 » فالدفع عن المال كالدفع عن النفس . وقيل : لا تجوز لأن حرمة الروح أعظم ، والخوف الحاصل في غير القتال كالهارب من الحرق والغرق والسبع ، والمطالب بالدين إذا كان معسرا خائفا من الحبس عاجزا عن بينة الإعسار فلهم أن يصلوا هذه الصلاة . فَإِذا أَمِنْتُمْ بزوال الخوف الذي هو سبب الرخصة فَاذْكُرُوا اللَّهَ أي فافعلوا الصلاة كَما عَلَّمَكُمْ بقوله تعالى : حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ لأن سبب الرخصة إذا زال عاد الوجوب فيه . والصلاة تسمى ذكرا كما في قوله تعالى : فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [ الجمعة : 9 ] ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ( 239 ) قبل بعثة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ف « ما » مفعول لعلمكم إن جعلت « ما » الأولى مصدرية ، أما إن جعلت موصولة فما هذه بدل من الأولى أو من العائد المحذوف وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ
--> ( 1 ) رواه الترمذي في كتاب الديات ، باب : 21 ، ومسلم في كتاب الإيمان ، باب : 226 ، والبخاري في كتاب المظالم ، باب : من قاتل دون ماله ، وأبو داود في كتاب السنّة ، باب : في قتال اللصوص ، والنسائي في كتاب التحريم ، باب : من قتل دون ماله ، وابن ماجة في كتاب الحدود ، باب : من قتل دون ماله فهو شهيد ، وأحمد في ( م 1 / ص 79 ) .